رئيس مجلس الإدارة
محمد سعدالله
رئيس التحرير
إبراهيم طه
ads
أحمد راغب
أحمد راغب

رعب الخطيئة .. صراع المسيحية الكاثوليك والبروتستانت

الجمعة 17/أبريل/2020 - 11:58 ص
طباعة

 اعتبر المؤرخون والمفكرون المذهبَ البروتستانتي ومذهب الربوبية (Deism) أبرز أشكال الدين في نشوء العصر الصناعي -الرأسمالي الحديث (في إنطلاقته الأروبية) وأكثرها انسجامًا معه.

فماركس مثلًا يشير إلى أنَّ "البرجوازية تجد في البروتستانتيّة ومذهب الربوبية أنسب أشكال الدين لها"، بينما جاء ماكس ڤيبر من بعده ليؤكد أَنّ البروتستانتية هي روح الرأسمالية.

 

المذهب البروتستانتي ومذهب الربوبية يرفضان كل من موقعه، فكرة التوسط بين الخالق والإنسان، البروتستانتية ترفض فكرة التوسط بالمعنى الكاثوليكي، أي توسط الكنيسة والبابا، أي جملة "الإكليروس"، بينما مذهب الربوبيّة يرفض التوسط بكل أشكاله جملةً وتفصيلاً، ويعلن عن إيمانه بإلهٍ لا شخصيّ، فوق الأديان (فولتير مثال على ذلك).


البروتستانتية في صيغتها الألمانية  

البروتستانتية، في صيغتها الألمانية كما عند (لوثر )،أو الفرنسية_ السويسرية عند (كالڤن)،هي كما يشير اسمها: احتجاج، مثلما أَنَّ الكاثوليكية هي عقيدة:التثليث، والأرثوذكسية: العقيدة القويمة.

ولكن احتجاج البروتستانتية على ماذا؟

 

نظَّمت الكنيسة الرسمية أي الكاثوليكية بنيَة الاعتقاد الديني على مفهوم (الخطيئة الأصلية). وباتت الخطيئة، بتعبير المؤخرين، التفسير الشامل للحياة، من الفقر، إلى الدونية الاجتماعية، ومن الأوبئة، إلى الحروب متقلّبة، تقلب المناخ، تُعاقب البشر بالموت والفاقة (تفسير الأوبئة والهزائم والحروب على أنها عقاب إلهي يتكرر في معظم الأديان).

 

الخلاص

السبيل إلى الخلاص من عبء الخطيئة، يأتي بحسب الكنيسة الكاثوليكية، عبر المشاركة في "معجزة القُدّاس" (حيث يتحول نبيذ الكنيسة وخبزها إلى دم السيد المسيح وجسده) كما يأتي الخلاص، لا بالصلاة والتّعبُّد، بل بالاعتراف للقس، ونيل صكوك الغفران، طبعًا بعد دفع ثمن الاعتراف وثمن الصكوك نقدًا، وهي باختصار عملية تطهير بأجرة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إنَّ الكنيسة الكاثوليكية، عصر ذاك طبعًا، شجعت الرُّقى والتعاويذ والمعجزات والتنجيم، والنبوءات الفلكية، أي شجعت كل الوسائل السحرية إلى درجة بات يتعذر معها القول: أين يبدأ الإيمان وأين ينتهي السحر؟.


والسحر كما هو معلوم، نظامٌ بديل عن العِلم والتكنولوچيا لضبط الطبيعة (بما في ذلك طبيعة الجسد البشري) والتحكُّم فيها. ويحيل كثرة من المؤرخين_ (بينهم كريستوڤر هيل أحد أهم دارسي عواقب تلك الحقبة) كما في كتابه "The world Upside Down" _ سهولة انتشار الوسائل السحرية_ الإعجازية إلى ضعف الوسائل التكنولوچية البدائية عصرَ ذاك (حِرَفٌ بسيطةٌ وزراعةٌ بدائية) وعجز الناس بإزاء الأوبئة الفاتكة، وسوء موسم الحصاد (ما يعني الموت جوعًا) والحروب المُباغتة، فكانوا مستعدين لتقبُّل فكرة العجز البشري المُطلق، والرضوخ لسلطة القساوشة، وسطاءَ تجارةِ الخلاص.

 

البروتستانتيّة، هاجمت الرُّقى، والتنجيم، والنبوءات الكَنسيّة، والمعجزات الكَنسيّة، بما في ذلك "معجزة القُدَّاس" (الطقس الكَنَسي)، وركّزت نيران نقدها على صكوك الغُفران.

فالخطيئة بتفسير البروتستانتية ليست برّانيّة، موروثة من آدم، بل جوَّانيّة، باطنيّة، في ضمير كُلِّ إنسان علة انفراد، وأن الخلاص لا يتحقق بتوسط القساوسة، فكل مؤمن لديه قِسٌّ داخله، هو ضميره الباطني.  وحسب قول ڤولتير : كُلّ إنسان هو قسّ لنفسه بنفسه، هو ذاته وسيط ذاته، وأَنَّ التوسّط هو غربة الإنسان عن الله.

رعب الخطيئة 

مِنْ هُنا دفعت البروتستانتية صيرورة التحرر من رُعب الخطيئة، وحطمت سلطةَ القساوسة على العقول والضمائر، وهي بهذا المعنى أكبر خرق لسلطةِ التراتُبية الكَنَسيّة، وأكبر باب لانبثاق فكرة الحُريّة الفردية، والثقة بالذات.

بل إنّ الجناح الرديكالي من البروتستانية توجه إلى إلغاء المحاكم الدينية، والمحاكم الدنيويّة، في مجال المحاسبة والعقاب على "الخطيئة الدينية"، فهذه الخطيئةإنْ وُجِدَتْ تنتمي إلى مجال الضمير، إلى المجال الروحي، وعقابها روحي بالمثل، لا شأن للمحاكم بها، دنيويّة أو إكليروسية.

 

إذن، انطلقت البروتستانتية من مقدمات مترابطة تعترف بوجود الخطيئة على الغرار الكاثوليكي، لكنها تعتبرها مسؤولية فردية، لا وصمة جماعية لكل البشر، أولًا، وأنّ الغُفران لا يتحقق بتوسّط الكنيسة بل بالجُهد الذاتي للفرد،(إلغاء التوسُّط)، ثانيًا، وأَنّ العلاقة بين الخطيئة ورزايا الوجود الاجتماعي مقلوبة ثالثًا.

فالدُّونية الاجتماعية والتفاوت بين المراتب (الطبقات) الاجتماعية، وجبروت الدولة المستبدة، هي ليست نتاج الخطيئة الأصلية، كما تَدَّعي الكنيسة تسويغًا لكل هذه البلايا، بل إنّ فكرة الخطيئة هي نفسها نتاج انعدام المساواة بين البشر، وهي نتاج التفاوت في الملكية، إلخ.

 حق الكنيسة 

بهذا المسار قوّضت البروتستانتيّة "حق" الكنيسة، من البابا إلى الأساقفة والقساوسة والرُّهبان، في احتكار المقدس، واحتكار الغُفران، كما قوّضت القاعدة المادية لثراء الكنيسة (بيع صكوك الغُفران) التي باتت عصر ذاك أكبر مالك للأصول الزراعية.

في إطار هذا الفكر اللاتوسُّطي بات الاتصال بين الذات البشرية والذات الإلهية مسموحًا وممكنًا على مستوى فردي من دون التوسّطات التقليدية. كما بات ضروريًا القضاء على "الغربة بين الله والإنسان" بتعبير كالڨن.

ads
ads
ads
ads
ads
كبرت ولسه بتخاف من إيه ؟
كبرت ولسه بتخاف من إيه ؟