رئيس مجلس الإدارة
محمد سعدالله
رئيس التحرير
علي تركي
ads
سهير منير
سهير منير

لهيب الفساد أحرق قلب المصريين

الثلاثاء 05/مارس/2019 - 04:12 م
طباعة
غيمت السماء بدخان عربة القطار لتكسو الأرض بسواد نيران كسواد قلب من تسبب فيها نيرانٌ.. البعيد عنها يلسعه مشهدها المرعب فيرتجف قلبه ويتمنى أن يموت قبل أن تحصده.. وأناس اشتبكت فيهم النيران حتى الذروة لدرجة أن النيران نفسها كادت أن تتعجب!!  من أجهدها وتسبب في اشتعال فاق قدرتها وأنهك قواها حتى آخر شرارة.. ظلت مشتعلة في جثمان كل ضحية وكأنما تحالفت مع هذه الجثامين وتعهدت ألا تُبْقي ملمحا فيها إلا وشوهته.. لا وأتقنت ولم تخر قواها حتى فحمته بلا هوادة ولا تراجع.

آه  وألف  آه.. لو تحالف كل المسؤولين في مسرح الأحداث كما تحالفت النار مع الجثامين لما شاهدنا وانكوت قلوبنا بنار أهالينا.. إن الحريق من مصائب أو نكبات الدهر -عافانا الله جميعا- شىء يمكن تقبله، أما الإحراق أرى أنه شىء أرعن.. نعم.. إنه الإحراق الذي لا يدان أمامه شخص واحد إنما هي منظومة الفساد التي تتسع دائرتها دائما إما بقصد يفعله كل فاسد فيها وإما بغير قصد بسلبية من يديرون ظهورهم عنه، ويقولون دائما عبارتهم الشهيرة "وأنا مالي".. هذه العبارة التي تأكل أي تنمية مبتغاة أو تقدم موعود.

وكل هذا ينطبق على الهيئة "هيئة  السكة الحديد" التي كان لها الباع الأكبر في المأساة حيث قام كل فاسد بإدارة وجهه عن مسؤوليته ومارس عمله بعشوائية وبدون دراسة حقيقية وبخطة عمل لم تجدد منذ القدم، كذلك أخفقت هذه الهيئة في تأهيل العمالة الخاصة بها حتى وإن كانت تقوم بها لم تستثن منهم بعضهم الذين لديهم مشاعر سلبية تجاه عملهم ولا يدركون أن صميم عملهم أرواح الناس وظهر هذا النموذج عندما تحدث السائق على الشاشات بكل بلاهة حتى وإن كان غير متعمد، فكيف ينزل من القطار وهو مُدَار لأي سبب من الأسباب وهنا الإخفاق التأهيلي الذي أقصده وهنا العشوائية التي يمارس بها عمله؟

وبنية متهالكة توارثتها الحكومات وبسلوكيات بعض أفراد الشعب الذين يستقلون القطارات بصفة مستمرة، سلوكيات منفلتة منهم من يمارسها بعناد صارم ويعلم مخاطرها "كالتسطيح على القطارات، وركوبها أثناء السير والوقوف على الباب والخروج والدخول عند الازدحام من النوافذ"، كل هذه السلوكيات لها نصيب في منظومة الفساد، وهنا السؤال أين القانون الرادع لهذا السلوك المنفلت؟

ولأن الحوادث لا يعلم مداها إلا الله ولا نستطيع أن نجزم أن هذا آخر حادث.. إنما يتملكنا الدعاء باستضعاف إلى الله أن يعافي المصريين جميعا من سوء المنقلب وعاقبة الأمور، وهنا أرى أن هناك حلقة مفقودة أسهمت في تفاقم الأخطار مثل عدم وجود كشك إسعافات أولية سريع على الأرصفة "عفوا.. مجرد فكرة".

هذا الكشك أرى من السهل وجوده بتجهيز على أعلى مستوى بعمالة مدربة وموقع يسهل الوصول إليه ويُعْلًن عنه بصفة مستمرة في الإعلانات الجانبية على أن يتضمن محتوى هذه الإعلانات إرشادات عن كيفية التعامل مع الحوادث الممكن وقوعها في خطوط السكك الحديدية، وأعتقد ان هذه اللافتات تحمل هدفا وقائيا أكثر منه علاجيا في حالة عدم وجود حوادث.

وهذا يدفعنا أيضا إلى الحديث عن ضرورة تعليم فئات الشعب المختلفة طرق الإسعافات الأولية في إطار من التكامل المجتمعي إما عن طريق المدارس وإما بواسطة الإعلام أو إعطاء دورات تدريبية للموظفين تلتزم بها جميع القطاعات وتلزم بها موظفيها وكذلك عن طريق منظمات المجتمع المدني بأن تجعل مهمة تعليم الناس تلك الإسعافات هدفا خَيٌرا تسعى إليه، أيضا السوشيال ميديا والمواقع التي تطرح أحيانا قضايا ليست مهمة بالضرورة للمواطنين عليها أن تتبنى برامج هادفة مثل تعليم الإسعافات الأولية.

وهناك فكرة كشك آخر، وهو كشك إطفاء الحرائق السريع بنفس مواصفات كشك الإسعافات لأنه بكل المقاييس سيتعامل بطريقة أسرع إلى أن تأتي عربات فرق الإنقاذ.

إذن الخلاصة.. أشياء كثيرة الكل اشترك فيها بهذا الإحراق ما بين مسؤول وسائق اعترف بكل بساطة عن مسؤوليته وسلوكيات منفلتة لبعض الركاب غاب عنها الوعي بمخاطرها حتى وإن لم يكن لها وجود في هذا الحادث بل كان الركاب على الأرصفة.

هذا المصاب يعزي كل مصري فيه نفسه ويحرق كل بلاهة داخله تقوده للاستهتار والاهمال لأنهما  سلاح الدمار. 

شهداء النيران.. وداعا من نيران أحاطت بكم بلا هوادة.. إلى جنة الخلد إن شاء الله لتطفىء نيرانكم.
ads
ads
ads
ads
ads
هل توافق على استبدال "التوك توك" بسيارات "فان"؟

هل توافق على استبدال "التوك توك" بسيارات "فان"؟